مصطفى صادق الرافعي

121

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ألسنتهم ، فلما رأوا هممهم لا تسمو إلى ذلك ولا تقارب المطمعة فيه ، وقد انقطعت بهم كل سبيل إلى المعارضة ، بذلوا له السيف ، كما يبذل المحرج آخر وسعه ، وأخطروا بأنفسهم وأموالهم ، وانصرفوا عن توهن حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام فقالوا : ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، ورجل يكتتب أساطير الأولين ، وإنما يعلّمه بشر « 1 » وأمثال ذلك مما أخذت به الحجة عليهم وكان إقرارا منهم بالعجز ، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطباع والعادات ، تلميحا كما تقدم ، وتصريحا كقولهم أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ . وقولهم : وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ . وأمر العادة مما تخدع به النفس عن الحق ، لأنها أعراق ضاربة في القلوب ، ملتفة بالطبائع ، وخاصة في قوم كالعرب كان شأن الماضي عندهم على ما رأيت في موضع سلف ، وكانت العادة عندهم دينا حين لم يكن الدين إلا عادة . قال الجاحظ : بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشدّ ما كانت عدّة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته ؛ فدعاهم بالحجة ، فلما قطع العذر وأزال الشبه وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظهم بالسيف . فنصب لهم الحرب ونصبوا ، وقتل من عليهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة ؛ أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحدّيا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف ، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا ، قال : فهاتوها

--> ( 1 ) كان العرب يلحدون إلى رجل أعجمي زعموا أنه يعلّم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما يجيء به من أخبار الأمم ونحوها . فرد اللّه عليهم بقوله : « لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين » فتلك مغالطة منهم وهذا ردها . وهو يثبت أن إعجازهم كان بالفصاحة والأسلوب مع قدرتهم ، لا بالصرفة ولا بغيرها . ويؤكده أنه تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات . والافتراء سهل لا يضيقون به ، ولكن أين لهم مثل النظم والأسلوب ؟ ولو كان تحداهم بعشر سور مفتريات ولم يقل ( مثله ) لأثبت ذلك أن الإعجاز بغير الأسلوب ، بل لو لم تكن هذه الكلمة ( مثله ) في آية التحدي لجاز القول بأن القرآن غير معجز ، ولاضطرب الأمر كله من أجل حرف واحد كما ترى . وقد اختلفوا في ذلك الأعجمي ، فقيل : إنه سلمان الفارسي ، وقيل إنه بلعام الرومي . وسلمان إنما أسلم بعد الهجرة وبعد نزول كثير من القرآن ، وأما الرومي فكان أسلم وكان يقرأ على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال القاضي عياض : وقد كان سلمان أو بلعام الرومي أو يعيش أو جبر أو يسار ، على اختلافهم في اسمه ، بين أظهرهم ، يكلمونه مدى أعمارهم ، فهل حكي عن واحد منهم شيء مثل ما كان يجيء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم ؟ وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك ؟ وما منع العدو حينئذ ، على كثرة عدده ودءوب طلبه وقوة حسده ، أن يجلس إلى هذا فيأخذ عنه ما يعارض به ؟ .